الأربعاء، 2 نوفمبر 2011

لماذا تأخر الصحابة ( رضوان الله عليهم) في دفن الرسول عليه الصلاة والسلام؟

بقلم الدكتور محمود محمد

توفي
الرسول -صلى الله عليه وسلم- يومَ الاثنين من شهر ربيع الأول، ولا خلاف في ذلك، والأكثرُ على أنه يوم الثاني عشر منه، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه -صلى الله عليه
وسلم- دفن ليلة الأربعاء. قال الحافظ ابن كثير: (والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من أنه -عليه السلام- توفي يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء).

و عَنْ أُيوبَ عَنْ عِكْرِمَة قَالَ: (تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى
الله عليه وآله وسلم- يَوْمَ الاثنين فَحُبِسَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتَهُ وَالْغَدَ حَتَّى دُفِنَ لَيْلَةَ الأرْبِعَاءِ) رواه الدارمي. هذا وقد روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله أنها قالت: (ما علمنا بدفن رسول الله- صلى الله عليه
وسلم- حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة الأربعاء).



إذن، توفي الرسول- صلى
الله عليه وسلم- يوم الإثنين وبقي مسجىً حتى دُفن ليلة الأربعاء، في الوقت الذي تضافرت فيه الأدلة على الإسراع في دفن الميت، فقد رُوي عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه
وآله وسلم- قَالَ: «لا تُؤَخِّرُوا الْجِنَازَةَ إِذَا حَضَرَتْ» رواه ابن ماجه.

وعن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ -صلى
الله عليه
وآله وسلم- قَالَ: «أسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُم» رواه البخاري.
فإذا كان هذا حال الميت، فما بالكم بخير من ولدت النساء، وخير من وطأت قدماه الثرى؟ ما بالكم بسيد الخلق وحبيب الحق، يبقى مسجىً في غرفة عائشة باقي يوم الاثنين والثلاثاء، ويدفن ليلة الأربعاء؟ أليس حري بالصحابة الكرام
رضوان الله
عليهم أن يستعجلوا في دفنه وأن لا يؤخروا الجنازة التي قد حضرت؟

لا شك في أن
الصحابة رضوان الله
عليهم، وهم الجيل الفريد، وخير القرون، ما كان لهم أن يفعلوا ذلك إلا لأمر جلل، ومسألة على قدر كبير من الأهمية. وإلا فلماذا التأخير؟
ومن تتبع السيرة نجد أن
الصحابة رضوان الله عليهم، قد انشغلوا عن تجهيز الرسول -صلى الله عليه وسلم- ودفنه بمسألة مهمة، ألا وهي تنصيب خليفة لرسول الله -صلى الله عليه
وسلم-، فقد ورد عنهم أنهم (كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة).

أما القول بأن تأخير دفنه -صلى
الله عليه وسلم- ما حصل إلا (لأن الصحابة رضي الله عنهم صلوا عليه فرادى واحداً واحداً رجالاً ونساءً، فلم يتسع يوم الاثنين لذلك مع تغسيله وتكفينه، بل صلوا عليه يوم الثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء)، فهذا قول متهافت لا تقوم عليه
حجة، ولا ينتصر له دليل، وهو فوق ذلك فهم عقيم لأحداث جسام، وتزوير لأحداث السيرة.

والحق الذي يجب المصير إليه، أن الأحداث التي عصفت بالمسلمين بعد موته -صلى
الله عليه
وسلم- ولغاية دفنه والصلاة عليه، ترينا أن تأخير الدفن لم يكن للصلاة عليه، بل من أجل نصب خليفة له، وبيان ذلك:

- توفي
الرسول -صلى الله عليه وسلم- يومَ الاثنين من شهر ربيع الأول، فقد ذكر الطبري في تاريخه : (قال أبو جعفر أما اليوم الذي مات فيه رسول الله -صلى الله عليه
و سلم- فلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار فيه أنه كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول).

- تُرك
الرسول -صلى الله عليه وسلم- مسجىً دون دفن أو تجهيز في بيته عند عائشة، قال الطبري لماذا تأخر الصحابة رضوان اللهوأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر (يقصد خبر إنتقال الرسول -صلى الله عليه
وسلم- إلى الرفيق الأعلى) وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء، حتى دخل على رسول الله

-صلى
الله عليه و سلم في بيت عائشة ورسول الله مسجى في ناحية البيت عليه برد حبرة، فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أقبل عليه
فقبله).

أنظر إلى قوله : (مسجى في ناحية البيت
عليه برد حبرة)، قال صاحب اللسان: (لما مات، عليه السلام، سُجِّيَ ببُرْدِ حِبَرَةٍ أَي غُطّيَ). إذن هو -صلى الله عليه
وسلم- لم يكن قد فُرغ من تغسيله أو تجهيزه، بل قل لم يُباشر بعد بأي شيء من ذلك.

- إحتمع الأنصار في سقيفة بني ساعده بعد أن علموا بموت
الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليبحثوا أمر خلافته عليه السلام. قال ابن إسحاق: (ولما قُبض رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة).

قال الطبري: (أن النبي صلى
الله عليه و سلم لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا نولي هذا الأمر بعد محمد عليه
السلام سعد بن عبادة، وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض، فلما اجتمعوا... ).
وحين سمع أبو بكر رضي
الله عنه بأمرهم ذهب إليهم، وبرفقته عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله
عنهم جميعاً.

ذكر الطبري قصة السقيفة: ( فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر، فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، قال أبو بكر إني قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر أو أبا عبيدة إن النبي صلى
الله عليه و سلم جاءه قوم فقالوا: إبعث معنا أمينا، فقال: لأبعثن معكم أمينا حق أمين، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، وأنا أرضى لكم أبا عبيدة، فقام عمر فقال: أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي -صلى الله عليه
و سلم- فبايعه عمر وبايعه الناس).


ترى لم كل هذا؟ أتراه لأمر لا قيمة له ولا وزن في دين
الله
تعالى؟ أم لأمر أقل ما يقال فيه أنه به يقام الدين، وبه تحمى الثغور، وتحت لوائه يجاهد في سبيل الله؟ به تطبق الحدود، وتحمى الثغور، وتصان الدماء الزكية التي طالما سفكت بغير ذنب.

ونحن إذ نذكر هذه المسألة لا نريد بها انتقاد
الصحابة
الكرام البتة، معاذ الله، بل لنظهر أهمية القضية التي دفعتهم للتصرف على هذا النحو.

- وبويع أبو بكر بالخلافة في نفس اليوم الذي قبض فيه
الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيعة إنعقاد، وصار بها أول خليفة للمسلمين يحكمهم بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكتاب الله
وسنة رسوله ونعمّ الخليفة هو.

قال الطبري : (وبويع أبو بكر يوم الاثنين في اليوم الذي قبض فيه النبي صلى
الله عليه
و سلم).

ذكر ابن الأثير في الكامل والطبري في تاريخه: (قيل: إن عمرو بن حريث قال لسعيد بن زيد: متى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول
الله
كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة).

- ثم بويع أبو بكر بيعة طاعة من المسلمين في اليوم التالي، أي يوم الثلاثاء. قال الطبري
لماذا تأخر الصحابة رضوان الله
فلما كان الغد من بيعة أبي بكر جلس على المنبر وبايعه الناس بيعة عامة).

- أقبل
الصحابة على تجهيز الرسول -صلى الله عليه
وسلم- بعد بيعة أبي بكر لا قبلها.

قال ابن إسحق : (فلما بويع أبو بكر رضي
الله عنه أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم الثلاثاء).

قال الطبري
لماذا تأخر الصحابة رضوان الله قال أبو جعفر فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال بعضهم كان ذلك من فعلهم يوم الثلاثاء وذلك الغد من وفاته -صلى الله عليه
و سلم- وقال بعضهم إنما دفن بعد وفاته بثلاثة أيام).

قال في الكامل
لماذا تأخر الصحابة رضوان الله ذكر تجهيز النبي ودفنه :فلما بويع أبو بكر، أقبل الناس على جهاز رسول الله ودفن يوم الثلاثاء، وقيل بقي ثلاثة أيام لم يدفن، والأول أصح.... ودفن موضعه، وحفر أبو طلحة الأنصاري لحدا، ودخل الناس يصلون عليه
أرسالا: الرجال ثم النساء ثم الصبيان ثم العبيد ودفن ليلة الأربعاء).

-
الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام، كانت بعد تغسيله وتجهيزه وتكفينه. أم تراهم صلوا عليه
الإثنين والثلاثاء وهو لم يغسل ولم يكفن؟! ما بال أقوام لا يتدبرون؟ أم أن بُغض الخلافة أورثهم عمىً وصماً وقلوباً لا يعقلون بها؟
قال الطبري
لماذا تأخر الصحابة رضوان الله ودخل الناس على رسول الله يصلون عليه أرسالا حتى إذا فرغ الرجال أدخل النساء حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان ثم أدخل العبيد ولم يؤم الناس على رسول الله -صلى الله عليه و سلم أحد ثم دفن رسول الله صلى الله عليه
و سلم من وسط الليل ليلة الأربعاء).

- أما صلاتهم فرادا، فقد قال ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية" معللاً صلاتهم
عليه -صلى الله عليه وسلم- فرادى: (وهذا الصنيع - وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه- أمر مجمع عليه، لا خلاف فيه، وقد اختلف في تعليله... وليس لأحد أن يقول: لأنه لم يكن لهم إمام، لأنا قد قدمنا أنهم إنما شرعوا في تجهيزه -عليه السلام- بعد تمام بيعة أبي بكر -رضي الله عنه- وأرضاه. وقد قال بعض العلماء: إنما لم يؤمهم عليه أحد ليباشر كل واحد من الناس الصلاة عليه منه إليه، ولتكرر صلاة المسلمين عليه مرة بعد مرة، من كل فرد من آحاد الصحابة، رجالهم ونسائهم وصبيانهم، حتى العبيد والإماء، وأما السهيلي فقال ما حاصله: إن الله قد أخبر أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر كل واحد من المؤمنين أن يباشر الصلاة عليه منه إليه، والصلاة عليه
بعد موته من هذا القبيل، قال: وأيضاً فإن الملائكة لنا في ذلك أئمة، والله أعلم).أهـ

- هذا وقد نوه بعض العلماء الأجلاء إلى أن إنشعال
الصحابة الكرام رضوان الله عليهم عن تجهيز ودفن الرسول -صلى الله عليه
وسلم- ما كان إلا لإنشعالهم بتنصيب خليفة له.

فقد جاء في فتح الباري ما نصه: ( وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِب نَصْب خَلِيفَة، وَعَلَى أَنَّ وُجُوبَهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ، وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ كَالْأَصَمِّ وَبَعْض الْخَوَارِج فَقَالُوا:يَجِب نَصْب الْخَلِيفَة. وَخَالَفَ بَعْض الْمُعْتَزِلَة فَقَالُوا: يَجِب بِالْعَقْلِ لَا بِالشَّرْعِ، وَهُمَا بَاطِلَانِ. أَمَّا الْأَصَمّ فَاحْتَجَّ بِبَقَاءِ الصَّحَابَة بِلَا خَلِيفَة مُدَّة التَّشَاوُر أَيَّام السَّقِيفَة وَأَيَّام الشُّورَى بَعْدَ مَوْت عُمَر، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُطْبِقُوا عَلَى التَّرْك بَلْ كَانُوا سَاعِينَ فِي نَصْب الْخَلِيفَة، آخِذِينَ فِي النَّظَر فِيمَنْ يَسْتَحِقّ عَقْدَهَا لَهُ، وَيَكْفِي فِي الرَّدّ عَلَى الْأَصَمّ أَنَّهُ مَحْجُوج بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْله). وورد نفس النص عند الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم.

- إذن حادثة السقيفة حصلت بعد وفاة النبي
عليه السلام مباشرة، وقبل تغسيله وتكفينه وتجهيزه، ولم يشرع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في عملية تجهيز النبي عليه
السلام قبل أن يفرغوا من تنصيب خليفة له.
وبهذا لم يعد حجة لأحد بأن يقول: أن المسلمين لم ينشغلوا بتنصيب خليفة عن دفن النبي وتجهيزه وأن تأخير دفنه كان من أجل
الصلاة عليه -صلى الله عليه
وسلم-.
الخلاصة:

يتبين مما سبق أن
الرسول الأعظم صلى -صلى الله عليه وسلم- قد التحق بالرفيق الأعلى يوم الإثنين 12 ربيع الأول على الأغلب. وأنه تُرك دون أن يغسل أو يكفن ولم يصلى عليه إلا بعد أن بويع أبو بكر بالخلافة، في نفس اليوم الذي مات فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيعة أنعقاد. ثم جلس أبو بكر في المسجد في اليوم التالي، أي الثلاثاء وبويع بالخلافة من بقية المسلمين الذين لم يحضروا قمة سقيفة بني ساعدة، وكانت هذه البيعة بيعة طاعة. وبعدها فقط باشر المسلمون بتجهيز النبي -صلى الله عليه وسلم- فغسلوه وكفنوه في ثلاثة أثواب، وصلى عليه
الناس فُرادى، ولما انتهوا من ذلك باشروا بدفن جسده الطاهر ليلة الأربعاء.

ومن هذا يتبين أن
الصحابة لم يشتغلوا لا بتجهيزه عليه
السلام ولا بالصلاة عليه، بل إنشغلوا بتنصيب خليفة يخلفه في الحكم لا في النبوة، وهذا أكبر دليل وأعظم حجة على أن إقامة الخلافة هي من أعظم الأمور وأجل الأحكام فهي تاج الفروض.

فإلى العمل للخلافة، التي ترك
الصحابة الكرام رضوان الله عليهم نبيهم مسجىً لأجلها، ندعوكم أن تعملوا فهي عز الدنيا، وبها وبالصالحات تُنال الآخرة.



0 التعليقات:

إرسال تعليق